الشنقيطي
27
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الْمُؤْمِنِينَ [ الحشر : 2 ] ، وقد جمع اللّه تعالى الأمرين المنطوق والمفهوم في قوله تعالى : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [ الأنفال : 12 ] فنص على الطمأنينة بالتثبيت في قوله : فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ، ونص على الرعب في قوله : سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فكانت الطمأنينة تثبيتا للمؤمنين ، والرعب زلزلة للكافرين . وقد جاء في الحديث أن جبريل عليه السلام . لما أمر النّبي صلى اللّه عليه وسلم بالتوجه إلى بني قريظة ، قال : « إني متقدمكم لأزلزل بهم الأقدام » « 1 » ، ومما يدل على أسباب هذه الطمأنينة في هذه المواقف قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 46 ) [ الأنفال : 45 - 46 ] . فذكر اللّه تعالى أربعة أسباب للطمأنينة : الأولى : الثبات ، وقد دل عليها قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ( 4 ) [ الصف : 4 ] . والثانية : ذكر اللّه كثيرا ، وقد دل عليها قوله تعالى : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( 28 ) [ الرعد : 28 ] . والثالثة : طاعة اللّه ورسوله ، ويدل لها قوله تعالى : فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ ( 20 ) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [ محمد : 20 - 21 ] . والرابعة : عدم التنازل والاعتصام والألفة ، ويدل عليها قوله تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [ آل عمران : 103 ] . ومن ذكر أسباب الهزيمة من رعب القلوب ، وأسباب النصر من السكينة والطمأنينة ، تعلم مدى تأثير الدعايات في الآونة الأخيرة . وما سمي بالحرب الباردة من كلام وإرجاف مما ينبغي الحذر منه أشد الحذر ، وقد حذر اللّه تعالى منه في قوله
--> ( 1 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في المغازي حديث 4122 ، ومسلم في الجهاد والسير حديث 65 ، وأخرجه عن ابن عمر البخاري في أبواب صلاة الخوف حديث 946 ، والمغازي حديث 4119 .